المشورة الازليه

 




                                                    المشورة الأزلية


أولاً: تعريف المشورة الأزلية (The Eternal Divine Counsel)

هو قرار إلهي أزلي وقصد إلهي ثابت غير متغير، وحكمة أزلية تتضمن خطة الله من خلال تحقيقه بعمل متمايز في الأقانيم. فالمشورة ليست ثلاث آلهة يتشاورون، بل قرار واحد نابع من جوهر الله الواحد، بتمايز أقانيمه بعمل متناغم دون انفصال في طبيعة الله. فهي الإرادة الإلهية غير المنقسمة للآب والابن والروح القدس، جوهر الله الواحد. فهي انسجام كامل بين الأقانيم، يقرر الله بصورة أزلية كل ما سيحدث في الزمن. فالمشورة قرار واحد صادر من إلهٍ واحد بثلاثة أقانيم يعملون معًا دون انفصال.

في المشورة الإلهية، وضع الله كل الأحداث التاريخية، وكل الشخصيات، وكل الظروف بما يحقق هذه الغاية الكبرى. والعقلانية هنا تشير إلى أن كل شيء في الكون له سبب منطقي ضمن الخطة الإلهية، حتى الأحداث السيئة يمكن لله من خلالها تحقيق الخير النهائي.

والحقيقة أن المشورة الأزلية تثبت أمرًا منطقيًا، أن طبيعة الله متمايزة، فيتم تحقيق القصد من خلال الانسجام في العمل في هذه الطبيعة. إن كانت الطبيعة غير متمايزة مثل الاعتقادات البشرية، فسيكون العمل يصدر من ذات عدمية أشبه بالجماد. ولكن المسيحية دائمًا تقدم كلامًا فيه عقلانية عن طبيعة الله، لأن مشاكل الطبيعة غير المتمايزة كثيرة، من ضمنها أن الله يكون بلا وظائف محددة تنبع من ذاته، فيكون هذا الإله مجرد قوة جامدة وليس كيانًا متفاعلًا مع الكون والمخلوقات، وسيكون فهمنا لتدبير الله صعبًا جدًا. فذاته غير المتمايزة سيكون الحب فيها نرجسيًا ذاتيًا، ومشاكل أخرى سنسردها في بحث لوحده.

تعريف آباء الكنيسة للمشورة الأزلية

1- هيلاري أسقف بواتييه في كتابه De Trinitate (الكتاب التاسع)
يرى القديس هيلاري أن المشورة هي القصد الإلهي، ليس تشاورًا، بل قصد محدد قبل كون العالم، بمعنى أن المشورة هي خطة الله، فيقول:
“هذه هي أسرار المشورة السمائية المُحدَّدة من قبل كون العالم؛ أن يصير ابن الله الوحيد بإرادته إنسانًا، وأن يمكث الإنسان إلى الأبد في الله. لذلك وُلِدَ الله، لكي يأخذنا إلى داخل نفسه”.

2- المشورة الأزلية عند القديس كيرلس السكندري في كتاب
On the Incarnation of the Only-begotten

أكد على الوحدة الأزلية للمشيئة، وأن كل شيء يحدث بإرادة الله من خلال تدبير إلهي أزلي، وليس من خلال حدث عرضي.

3- تعريف أثناسيوس للمشورة الأزلية
أن خطة الله مُعدة مسبقًا للخلاص قبل وجودنا، بمعنى أن خطة الله أزلية:

“it beseemed not that God should counsel concerning us afterwards, lest He should appear ignorant of our fate … prepared beforehand … the Economy of our salvation”

“… God’s will was in Him before the world … there had been prepared for us in Christ the hope of life and salvation.”

— Athanasius, Against the Arians, II.22.

فكيف إذًا قد اختارنا قبل أن نأتي إلى الوجود؟ قدّرنا للتبني، ولكن الابن ذاته قد وُضع قبل العالم، حاملًا ذلك التدبير (oikonomia) الذي كان من أجلنا… لأنه كان له قصد من أجلنا… في المسيح خُزّنت النعمة التي وصلت إلينا.

هنا “oikonomia” (التدبير) هي كلمة يونانية تُستخدم كثيرًا عند الآباء بمعنى “ترتيب الله لأمور الخلاص”. يرى أثناسيوس أن اختيارنا تم قبل وجودنا في خطة أزلية، ما يشير إلى “مشورة إلهية” بمعنى قصد مسبق وإدارة حكيمة لخلاص البشر.

يقول Herman Bavinck في مجلداته المعروفة باسم Reformed Dogmatics:
إن المشورة ليست تفكيرًا تدريجيًا أو عملية تشاور أو اتخاذ قرار بعد مقارنة بين بدائل، بل هي إرادة إلهية واحدة أزلية، وحكمة الله الكاملة، وقصده غير المتغير.

ويقول إن من يعتقد غير ذلك يفكر تفكيرًا بشريًا محضًا في الله. فالله إرادته واحدة وقراره واحد، ولكن رغم أن القرار واحد، فإن كل أقنوم يعمل بطريقة تتسق مع خصائصه الأقنومية، دون انفصال عن الأقنوم الآخر ودون انقسام في الفعل الإلهي.

وذكر بافينك عمل الله الواحد في خلاص الإنسان كنموذج من خلال الأقانيم الثلاثة: فالآب مُدبِّر، والابن مُستعلن في الجسد، والروح القدس مُطبِّق للعمل الخلاصي ومُؤنِّب للإنسان، لكن هذا التمايز في العمل يؤدي لعمل واحد وهو خلاص الإنسان.

فمشورة الله إلهية بسيطة غير بشرية، وأكد بافينك أن كلمة المشورة لا تعني وجود نقاش أو جدل أو تبادل آراء في ذات الله. ويمكن تلخيص رأيه:
المشورة الإلهية هي الإرادة الأزلية الواحدة للآب والابن والروح القدس؛ ليست تشاورًا، بل قرارًا إلهيًا واحدًا بسيطًا، يُعبَّر عنه كل أقنوم وفق خاصيته دون انقسام في الجوهر أو الإرادة.

تعريف Louis Berkhof للمشورة في كتابه The Divine Decrees in General:
قرار إلهي أزلي واعٍ، عُيِّن بحرية وحكمة كاملة، من خلاله كل ما سيحدث. فأزلي لأنه خارج الزمن، حر لأن الله لا يقوده أحد، شامل لأنه يشمل جميع الأحداث دون استثناء، حكيم لأنه مبني على هدف إلهي كامل.

فالمشورة عنده تشمل خطة الله في خلق الإنسان، والعناية الإلهية، والخلاص، والفداء، وغيره من أعمال الله في الزمن، وهي مبنية على حكمة وليس عشوائية.

لماذا استُخدمت كلمة "المشورة"؟

إن استخدام كلمة المشورة هو من ضمن المصطلحات البشرية لتقريب الصورة للإنسان، أن العمل تم من خلال عمل الأقانيم الثلاثة متمايزين في جوهر واحد. فهي لغة بشرية غرضها تقريب المفهوم للبشر لشرح طبيعة فائقة.

المشورة في اللغة العبرية עֵצָה (عيتساه)، وتأتي بالعديد من المعاني في القواميس، منها: خطة (plan)، أو قصد إلهي (counsel)، أو نصيحة، أو مشورة للحرب وغيرها.

يقول كتاب Chávez, M. (1992) أن الكلمة أتت في ملوك الثاني 18: 20 بمعنى خطة حرب استراتيجية.

ويذكر قاموس Gesenius أن المشورة هي قصد الله وتدبيره، ويشرحها كحكمة وقدرة على وضع الخطط.

أمثلة لتقريب الفكرة (للاستدلال وليس للقياس)

الإنسان له عقل وإرادة ومشاعر:
العقل يحدد الهدف ويخطط، الإرادة تختار الوسائل للتنفيذ، والمشاعر تعمل انسجامًا بين العقل والإرادة. وفي النهاية هو إنسان واحد، لكن التناغم الكامل يحقق الهدف.

الشمس كنظام متكامل:
إنتاج الضوء هو الوظيفة الأساسية، مع خروج الحرارة وحفظ التوازن. هذا عمل متمايز لكن المصدر واحد، فلا يوجد ثلاث شموس.

مثل النور الخارج من الشمس مع حرارتها:
ثلاثة تمايزات لكن فعل واحد. لا يوجد "تشاور" بين الضوء والحرارة والشمس، بل طبيعتها الواحدة تعمل بعمل واحد.

تبسيط آخر:
عندما أعمل كمهندس، أفكر في التصميم، ثم أخطط له، ثم أشرف على التنفيذ. الفكرة في عقلي، والخطة في التنفيذ، والرقابة في الإشراف، لكن النتيجة عمل واحد متكامل من شخص واحد.

ملخص

نخلص إلى أن المشورة أزلية، أي خارج الزمن، مقرِّرة لما سيحدث داخل الزمن من أحداث، وأنها ليست تشاورًا بمعنى نقاش، بل قصد إلهي بلا زمن في طبيعة الله وحده قبل خلق المخلوقات.

ويتحقق القصد من خلال الله الواحد، ولكن بتمايز أقانيمه، ويشمل خطة الله الأزلية من خلق الإنسان والكون، والفداء، والكفارة، ومجيئه الثاني، وغيرها من أعمال الله في الزمن.

ويعمل الله من خلال الأحداث، سواء كانت خيرًا أو حتى الشر الناتج من حرية الإرادة، ليحقق من خلالها مقاصده ويحوّلها إلى خير.


و المجد لله دائما و ابدا

إرسال تعليق

0 تعليقات